- تواصل الأسواق تسعير سيناريو تهدئة التوترات في الشرق الأوسط، لكن الاشتباكات العسكرية المتقطعة يُرجح أن تُبقي علاوة مخاطر جيوسياسية كامنة ضمن أسعار النفط الخام.
- وفي الوقت نفسه، لا يزال الدولار الأمريكي مدعومًا، مع تزايد تأثير أسعار النفط المرتفعة على توقعات الأسواق بأن الاحتياطي الفيدرالي قد يحافظ على موقف نقدي أكثر تشددًا.
- أما أوروبا، فتبدو أكثر عرضة للضغوط مع اصطدام تباطؤ النمو بارتفاع تضخم الطاقة المستورد، ما يعزز التباعد في السياسات النقدية بين البنك المركزي الأوروبي (ECB) والاحتياطي الفيدرالي.
الدولار يحافظ على قوته
تلقى المتداولون أصحاب الرهانات الهبوطية على النفط تذكيرًا بأن اتفاقات وقف إطلاق النار ومفاوضات السلام نادرًا ما تسير في خط مستقيم. ففي الوقت الذي بدأ فيه المستثمرون في تعزيز رهاناتهم على ما يُعرف بـ"عائد السلام" في الشرق الأوسط، جاءت الضربات الأمريكية التي استهدفت سفنًا إيرانية لزرع الألغام في المياه الجنوبية الإيرانية لتبدد جزءًا من حالة الاطمئنان التي سيطرت على أسواق النفط. وجاءت هذه الخطوة في توقيت حساس للأسواق. فقد كان كبير المفاوضين الإيرانيين ووزير الخارجية الإيراني قد أنهيا للتو اجتماعات في الدوحة مع رئيس الوزراء القطري، بهدف دفع اتفاق أوسع مع واشنطن لإنهاء الصراع المستمر منذ ثلاثة أشهر، وهو ما ساهم في تغذية موجة صعود قوية في الأصول عالية المخاطر عالميًا، مع بدء الأسواق في التصرف وكأن أسوأ الصدمة الجيوسياسية أصبح خلفها بالفعل. وواصلت الأسهم ارتفاعها، بينما استمرت مستويات التقلب في الانخفاض، وبدأ المتداولون تدريجيًا في تفكيك أجزاء من علاوة المخاطر المرتبطة بالحرب والمضمنة في أسواق الطاقة. لكن الواقع سرعان ما قاطع هذه الرواية.
ومع ذلك، جاء رد الفعل في أسواق النفط الخام محدودًا بشكل لافت، وربما يكشف هذا الهدوء عن الطريقة التي يفسر بها المتداولون المرحلة الحالية من الصراع أكثر مما يعكس أهمية الضربات نفسها. فقد اعتُبرت الهجمات على السفن الإيرانية بمثابة تذكير بأن الهيكل النهائي لأي اتفاق لا يزال غير مكتمل، وليس إشارة إلى انهيار المسار الدبلوماسي بالكامل. وفي ظل استمرار المفاوضات، لا تزال بعض الأطراف داخل إيران تبدو مستعدة لاختبار حدود علاوة المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز عبر ضغوط بحرية تكتيكية. وفي المقابل، لا تبدو لا واشنطن ولا إسرائيل مستعدتين إطلاقًا لتحمل أي اضطراب فعلي في أهم ممر للطاقة في العالم. ويكتسب هذا التمييز أهمية كبيرة، لأن الأسواق بدأت تنظر إلى هذه العمليات بشكل متزايد باعتبارها إجراءات دفاعية لحماية أمن الملاحة البحرية واحتواء حالة عدم الاستقرار، لا خطوات تهدف إلى توسيع نطاق الصراع نفسه. وفي كثير من النواحي، بدأ المشهد يشبه عملية تهدئة تفاوضية شديدة التقلب، تتقدم فيها الدبلوماسية نهارًا، بينما تستمر الرسائل العسكرية بعد إغلاق الأسواق.
وبالنسبة لأسواق النفط، فإن ذلك يُبقي علاوة المخاطر الجيوسياسية حاضرة دون أن ينسف بالكامل رهانات التهدئة الأوسع. ولا يزال المتداولون يدركون بوضوح مدى هشاشة وضع المخزونات العالمية بعد أشهر من السحب من الاحتياطيات وتشدد التوازنات الفعلية في السوق. كما تفهم الأسواق أن الهامش الوقائي الذي كان يحمي الاقتصاد العالمي من صدمة إمدادات جديدة قد تقلص بشكل كبير، وأنه كلما اقتربت المخزونات من مستويات حرجة للغاية، أصبحت أي اضطرابات إضافية تحمل تداعيات اقتصادية كلية أكبر بصورة متسارعة. وفي حالة إيران، لا يزال الضغط الاقتصادي الناتج عن ما يشبه الحصار الأمريكي الفعلي يعزز الحوافز نحو التوصل إلى نوع من الاتفاق في نهاية المطاف. ولهذا السبب، من غير المرجح أن تؤدي الاشتباكات الأخيرة إلى تعطيل مسار المحادثات بالكامل في هذه المرحلة. لكن أي شخص يتوقع مسارًا سلسًا نحو عودة الأوضاع إلى طبيعتها، ربما لم يقضِ وقتًا كافيًا في تداول النفط خلال الدورات الجيوسياسية. فالتصعيد في أسواق الطاقة نادرًا ما يتحرك في خطوط مستقيمة، بل يتحرك عبر موجات عنيفة من التفاؤل تتخللها تذكيرات دورية بأن المخاطر الهيكلية الأساسية لا تختفي بالكامل حتى تجف التواقيع النهائية على الاتفاقات.
وما لا يزال يفاجئ الأسواق أكثر من أي شيء آخر هو مدى صمود شهية المخاطرة العالمية طوال هذا الربع المليء بضبابية الحرب. فالأسهم لا تزال تتصرف وكأن السيولة والزخم أهم من الضوضاء الجيوسياسية، لكن صمود الدولار الأمريكي يكشف بهدوء عن قصة اقتصادية كلية أكثر تعقيدًا بكثير. ففي الظروف الطبيعية، كان من المفترض أن تؤدي موجة الصعود المدفوعة بعوائد السلام، إلى جانب قوة أسواق الأسهم، إلى إضعاف الدولار مع انتقال المستثمرين بقوة أكبر نحو الأصول العالمية عالية المخاطر. لكن الدولار لا يزال محتفظًا بقوته، مدعومًا بشكل متزايد بإدراك الأسواق أن الاحتياطي الفيدرالي قد يميل مؤقتًا إلى موقف أكثر تشددًا استجابةً لصدمة التضخم المرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة. وقد بدأت الأسواق تدرك أن الآثار الاقتصادية لارتفاع النفط بدأت بالفعل تتسرب عبر قنوات التضخم الأوسع، حتى لو توقفت الصواريخ عن التحليق غدًا.
وقد عكست تصريحات كريستوفر والر الأخيرة هذا التحول في نفسية الأسواق بشكل مثالي. فتحذيره من أن استمرار أسعار النفط عند مستويات مرتفعة قد يؤدي إلى انفلات توقعات التضخم دفع الأسواق مؤقتًا إلى تسعير رفع جديد للفائدة من الاحتياطي الفيدرالي، ما تسبب في ضغوط تسطح هبوطية على منحنى عوائد سندات الخزانة وعزز دعم الدولار الأمريكي. وكانت الإشارة الصادرة من أسواق الفائدة مهمة، لأنها أكدت أن المتداولين لم يعودوا يركزون فقط على العناوين الجيوسياسية نفسها، بل بدأ الاهتمام يتحول بشكل متزايد نحو التداعيات الاقتصادية الثانوية الناتجة عن صدمة الطاقة. ففي هذه البيئة، لم يعد النفط يُتداول باعتباره مجرد سلعة، بل أصبح يُتداول كآلية انتقال اقتصادية كلية تغذي مباشرة توقعات التضخم، وردود فعل البنوك المركزية، وثقة المستهلك، وفي نهاية المطاف ظروف النمو العالمي.
ويضع هذا التحول قدرًا هائلًا من التركيز على دورة البيانات الأمريكية هذا الأسبوع. فالمتداولون سيراقبون ما إذا كانت بيانات التوظيف الصادرة عن ADP ستظل قوية بما يكفي للإشارة إلى قدرة سوق العمل على تحمل تشدد الأوضاع المالية، لكن بيانات مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE) للتضخم المقرر صدورها يوم الخميس تبدو بشكل متزايد المحفز الاقتصادي الكلي الحقيقي الكامن وراء تحركات الأسواق. وأي مفاجأة صعودية في البيانات قد تعزز التوقعات بأن الاحتياطي الفيدرالي قد يضطر إلى الإبقاء على موقف نقدي متشدد لفترة أطول مما كان متوقعًا سابقًا. وفي هذا السيناريو، سيظل الدولار مدعومًا هيكليًا حتى مع تراجع التوترات الجيوسياسية تدريجيًا. وقد بدأت الأسواق تدرك أن الدولار لم يعد بحاجة بالضرورة إلى "علاوة حرب" طالما أنه قادر على التداول مدعومًا بـ"علاوة تضخم"، تستند إلى سياسة نقدية أكثر تشددًا نسبيًا من جانب الاحتياطي الفيدرالي.
ويفسر هذا أيضًا لماذا تبدو الرواية التقليدية لهبوط الدولار المرتبطة بتهدئة التوترات في الشرق الأوسط غير مكتملة بشكل متزايد. إذ تبدو الأسواق المالية مستعدة للفصل بين الارتياح الجيوسياسي وواقع السياسة النقدية. وحتى إذا أحرزت الدبلوماسية تقدمًا، فإن ارتفاع تكاليف الطاقة أعاد بالفعل تشكيل مشهد التضخم إلى درجة قد تُجبر الاحتياطي الفيدرالي على مواصلة الدفاع عن مصداقيته في مواجهة خطر عودة توقعات التضخم إلى الارتفاع مجددًا. وفي مثل هذه البيئة، يمكن للدولار أن يظل قويًا حتى مع استمرار صعود الأسهم، ما يخلق وضعًا غير معتاد ترتفع فيه الأصول عالية المخاطر بينما تتجه توقعات السياسة النقدية نحو مزيد من التشدد تحت السطح.
وفي المقابل، تبدو أوروبا عالقة بشكل متزايد في الجزء الأكثر إزعاجًا من هذا التحول الاقتصادي الكلي. فقبل أسابيع قليلة فقط، كانت الأسواق تسعّر بثقة عدة زيادات في أسعار الفائدة من البنك المركزي الأوروبي هذا العام، مع تبني المتداولين لفكرة التشديد النقدي العالمي المتزامن. لكن هذه الرواية تدهورت سريعًا مع بدء بيانات مؤشرات مديري المشتريات الأوروبية (PMI) الأضعف في إطلاق إشارات تحذيرية بأن نشاط الربع الثاني بدأ بالفعل يفقد زخمه. كما تضغط تكاليف الطاقة المرتفعة على المستهلكين والمصنعين الأوروبيين في الوقت نفسه، ما يضع البنك المركزي الأوروبي في مأزق بين ضغوط التضخم المستورد وتباطؤ النمو الاقتصادي. وقد قلصت الأسواق بشكل حاد توقعاتها لمزيد من التشديد النقدي، وهو تحول يعزز بصورة متزايدة التباعد الهيكلي بين الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي.
ويترك هذا التباعد اليورو عرضة للضغوط حتى وإن ظلت سيناريوهات الانهيار الحاد غير مرجحة في الوقت الحالي. فلا تزال تقديرات القيمة العادلة لزوج يورو/دولار EURUSD مهمة قرب المستويات الحالية، لكن الضغوط الاتجاهية الأوسع تميل بشكل متزايد نحو الهبوط، مع بقاء مخاطر التضخم الأمريكية مرتفعة في مقابل تراجع زخم النمو الأوروبي. وتبدو منطقة اليورو بشكل متزايد كاقتصاد يحاول امتصاص صدمة طاقة بينما يعمل أصلًا بزخم دوري ضعيف تحت السطح. وفي الوقت نفسه، تواصل العملات المرتبطة بالسلع الأساسية إيجاد دعم نسبي بفضل جاذبية العوائد، إذ يظل الدولار الأسترالي مدعومًا بتوقعات التضخم المرتفعة واحتمالات المزيد من التشديد من بنك الاحتياطي الأسترالي، بينما قد يستقر الدولار النيوزيلندي أيضًا إذا اتخذ بنكه المركزي موقفًا أكثر تشددًا مما تتوقعه الأسواق حاليًا.
وفي نهاية المطاف، تبدو الأسواق الآن عالقة بين واقعين متنافسين: فمن جهة، هناك مسار يزداد مصداقية نحو تهدئة التوترات في الشرق الأوسط وعودة تدريجية إلى تطبيع المخاطر الجيوسياسية، ومن جهة أخرى، أصبحت صدمة التضخم عالقة بالفعل داخل النظام الاقتصادي العالمي عبر أسعار الطاقة المرتفعة، وتشدد أوضاع المخزونات، وتغير توقعات البنوك المركزية. ولهذا السبب، لم يعد ما يحدث يبدو كموجة صعود نظيفة مدفوعة بعوائد السلام، بل أقرب إلى سوق تحاول إعادة تسعير انخفاض المخاطر الجيوسياسية، بينما تعيد في الوقت نفسه تسعير استمرار التضخم المرتفع تحت السطح.
وبينما يظل مسار الدبلوماسية قائمًا حتى الآن، بدأت الأسواق تدرك أن الاستقرار وتهدئة التصعيد ليسا بالضرورة الصفقة نفسها، إذ يمكن للاشتباكات العسكرية المؤقتة أن تتعايش مع استمرار المفاوضات طالما بقي الإطار الدبلوماسي الأوسع قائمًا. لكن السؤال الأكبر بالنسبة للأسواق العالمية يتمثل في ما إذا كان النظام الاقتصادي قادرًا على استيعاب الآثار التضخمية اللاحقة لصدمة الطاقة قبل أن تُجبر البنوك المركزية مرة أخرى على تبني استجابة نقدية أكثر عدوانية، وهو ما يبدو بشكل متزايد الصفقة الاقتصادية الكلية الحقيقية الكامنة خلف تحركات الأسواق حاليًا.
SPI Asset Management provides forex, commodities, and global indices analysis, in a timely and accurate fashion on major economic trends, technical analysis, and worldwide events that impact different asset classes and investors.
Our publications are for general information purposes only. It is not investment advice or a solicitation to buy or sell securities.
Opinions are the authors — not necessarily SPI Asset Management its officers or directors. Leveraged trading is high risk and not suitable for all. Losses can exceed investments.
آخر التحليلات
اختيارات المحررين
التوقعات الأسبوعية للدولار الأمريكي: لا مكان للهبوط السلس
ظل الدولار الأمريكي تحت ضغوط بيعية، مضيفًا إلى خسائره المسجلة في الأسبوع السابق. لم يفاجئ التضخم الأمريكي الأسواق، لكنه ظل مرتفعًا في أغسطس. يتحول اهتمام المستثمرين الآن إلى اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة (FOMC).
التوقعات الأسبوعية لبيتكوين: تراجع بيتكوين مع تنامي الضغوط المعاكسة من عوامل الاقتصاد الكلي
تراجعت بيتكوين بأكثر من 4% هذا الأسبوع، وتتداول حول مستوى 76,900 دولار يوم الجمعة بعد فشلها في الإغلاق فوق المتوسط المتحرك البسيط لـ50 أسبوعًا بالقرب من مستوى 79,700 دولار. من المتوقع أن تنهي صناديق بيتكوين المتداولة الفورية المدرجة في الولايات المتحدة سلسلة تدفقات داخلة استمرت ثلاثة أسابيع، مع تسجيل صافي تدفقات خارجة بقيمة 449.44 مليون دولار حتى يوم الخميس.
التوقعات الأسبوعية للذهب: قرار الفائدة ومخطط النقاط من الاحتياطي الفيدرالي مفتاح الاتجاه المقبل
يواجه الذهب ضغوطًا بفعل ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية. قد يساعد قرار الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة وتحديث ملخص التوقعات الاقتصادية (SEP) المعدن النفيس على تحديد اتجاهه. تسلط التوقعات الفنية الضوء على تردد المشترين على المدى القريب.
توقعات أسعار الريبل: XRP يواصل التراجع مع فشل عودة التدفقات إلى صناديق الاستثمار المتداولة ETF في تحسين التوقعات
التوقعات الأسبوعية للدولار الأمريكي: لا مكان للهبوط السلس
ظل الدولار الأمريكي تحت ضغوط بيعية، مضيفًا إلى خسائره المسجلة في الأسبوع السابق. لم يفاجئ التضخم الأمريكي الأسواق، لكنه ظل مرتفعًا في أغسطس. يتحول اهتمام المستثمرين الآن إلى اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة (FOMC).