خمس جلسات انتهت إلى نقطة البداية: لماذا كان التذبذب الحاد جزءًا من نهج وورش؟
| |ترجمة موثقةانظر المقال الأصلياستهلت الأسواق شهر يوليو على أساس أن رفع أسعار الفائدة في ديسمبر هو السيناريو المرجح، لكنها أمضت خمس جلسات تداول وهي تعيد تسعير هذا الاحتمال ذهابًا وإيابًا. فقد أدى تقرير الوظائف الذي أظهر إضافة 57 ألف وظيفة فقط إلى تقليص رهانات تشديد السياسة النقدية، قبل أن تدفع إعادة إغلاق مضيق هرمز هذه التوقعات إلى الارتفاع مجددًا. وجاء محضر اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة (FOMC) لشهر يونيو، الصادر يوم الأربعاء، في خضم هذه التقلبات، ليصف واقعًا كانت الأسواق قد تجاوزته بالفعل. ولم يكن الاحتياطي الفيدرالي (Fed) مخطئًا في تقديراته، بل إن ما تشهده الأسواق هو بالضبط آلية عمل السياسة التي أرسى كيفن وورش قواعدها في 17 يونيو، والتي تعمل كما هو مخطط لها.
خمس جلسات.. وإعادة تسعير مرتين
بدأت سلسلة الأحداث الخميس الماضي، عندما أظهر تقرير الوظائف غير الزراعية (NFP) الصادر عن مكتب إحصاءات العمل الأمريكي (BLS) إضافة 57 ألف وظيفة فقط في يونيو، مقابل توقعات بلغت نحو 115 ألفًا. كما جرى خفض قراءة مايو إلى 129 ألفًا من 172 ألفًا، في حين أظهرت المراجعات انخفاضًا إجماليًا قدره 74 ألف وظيفة في الشهرين السابقين. وتراجع معدل البطالة إلى 4.2%، لكن ليس للأسباب الإيجابية؛ إذ انخفض معدل المشاركة في سوق العمل إلى 61.5%، وهو أدنى مستوى منذ مارس 2021، بعد خروج نحو 720 ألف شخص من القوى العاملة خلال شهر واحد. وفي الوقت نفسه، ارتفع متوسط الأجور في الساعة بنسبة 3.5% على أساس سنوي، وهو أقل من معدل التضخم الذي يتجاوز 4%، ما يعني استمرار تآكل الأجور الحقيقية.
وجاءت استجابة الأسواق متسقة مع هذه البيانات؛ إذ تراجعت رهانات رفع أسعار الفائدة في سبتمبر، بينما بقيت توقعات رفعها في أكتوبر قائمة. وخلال عطلة نهاية الأسبوع الطويلة، تبنت المؤسسات المالية سيناريو انحسار التوترات الجيوسياسية، بعدما خفضت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) توقعاتها لمتوسط سعر خام برنت في الربع الثالث بمقدار 27 دولارًا، كما خفضت السعودية أسعار البيع الرسمية بأكبر وتيرة في أكثر من عقدين. لكن خلال جلستي تداول فقط، تبدد هذا السيناريو بالكامل.
فقد ألغت واشنطن الثلاثاء ترخيص تصدير النفط الإيراني، وتعرضت ثلاث ناقلات لهجمات في مضيق هرمز، قبل أن يعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الأربعاء انتهاء اتفاق وقف إطلاق النار. وقفز خام برنت متجاوزًا مستوى 80 دولارًا خلال الجلسة، بينما تحول هيكل العقود الآجلة من الكونتانغو (Contango) إلى الباكورديشن (Backwardation)، في وقت كادت فيه حركة ناقلات النفط عبر المضيق تتوقف. غير أن العامل الأكثر أهمية بالنسبة لتوقعات أسعار الفائدة يتمثل في أن أكبر محدد لقراءات التضخم المقبلة أصبح، مرة أخرى، تطورات الصراع العسكري وأسعار الطاقة.
ويعكس تسعير الأسواق هذا التحول بوضوح؛ إذ ارتفع احتمال رفع أسعار الفائدة في يوليو إلى نحو 40% أواخر يونيو، قبل أن يتراجع إلى 20% عقب صدور تقرير الوظائف، ثم يعود للارتفاع إلى نحو 30% وفق أداة CME FedWatch، بينما لا تزال الأسواق ترجح بنسبة تقارب 70% تثبيت أسعار الفائدة في الاجتماع المقبل، مع استمرار تسعير زيادة واحدة على الأقل بمقدار 25 نقطة أساس خلال العام الجاري.
تسع نقاط دخلت.. وبضعة أعضاء فقط بقوا
أظهر ملخص التوقعات الاقتصادية (SEP) لشهر يونيو/حزيران أن 9 من أصل 18 عضوًا في اللجنة يتوقعون تنفيذ زيادة واحدة على الأقل في أسعار الفائدة خلال عام 2026، وهو ما جعل رفع الفائدة في ديسمبر سيناريو مطروحًا بقوة في الأسواق. لكن محضر الاجتماع نفسه أشار فقط إلى أن "عددًا قليلًا" من المشاركين رأوا أن رفعًا إضافيًا للفائدة قد يصبح مناسبًا في نهاية المطاف. ووفقًا للمصطلحات التي يستخدمها الاحتياطي الفيدرالي، فإن عبارة "عدد قليل" تشير إلى نسبة محدودة من الأعضاء، بينما يُفترض أن يُوصف تأييد 9 أعضاء من أصل 18 بأنه "نحو النصف". وبين مخطط النقاط وصياغة المحضر، يبدو أن معسكر المؤيدين للتشديد قد تقلص.
ويمكن تفسير هذا التباين بطريقتين، وكلتاهما تثيران تساؤلات. فإما أن مخطط النقاط يعكس سيناريوهات افتراضية أكثر منه قناعات راسخة، أو أن المحضر يقدم صورة أكثر تحفظًا من المناقشات الفعلية داخل اللجنة. وفي ظل رئيس للاحتياطي الفيدرالي ألغى التوجيهات المستقبلية وامتنع عن نشر توقعاته الخاصة ضمن مخطط النقاط، لم يعد المحضر مجرد توثيق لما جرى، بل أصبح جزءًا من أدوات التواصل مع الأسواق، ومع ذلك جاء أقل تشددًا من التوقعات التي رافقها.
وتزداد الصورة تعقيدًا عند النظر إلى آلية التصويت. فبينما يشمل مخطط النقاط جميع المشاركين بصورة مجهولة الهوية، لا يملك حق التصويت سوى 12 عضوًا، وقد أُقر قرار تثبيت أسعار الفائدة عند نطاق 3.50%-3.75% في يونيو بإجماع كامل (12-0). وبالتالي، فإن السيناريو المتشدد لا يزال حاضرًا في التوقعات وفي ما وصفه كيفن وورش بـ"الخلاف العائلي"، لكنه لم يظهر بعد في صورة أي اعتراض رسمي داخل اللجنة. والأهم أن الفريقين يضمان إلى حد كبير الأعضاء أنفسهم؛ إذ يعرض المحضر مسارين محتملين في آن واحد: أحدهما يفترض تراجع التضخم بما يسمح بخفض أسعار الفائدة، والآخر يرى أن الحرب والرسوم الجمركية والطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي قد تبقي الضغوط التضخمية مرتفعة، بما يستدعي مزيدًا من التشديد.
وبذلك، تبدو اللجنة وكأنها تتبنى آليتي استجابة متناقضتين في الوقت نفسه، وتترك للبيانات الاقتصادية مهمة حسم أيهما سيسود. أما المستثمرون الذين يراهنون على رفع أسعار الفائدة في ديسمبر، فإنهم يعولون على تحالف مؤيد للتشديد لم يظهر حتى الآن في أي تصويت رسمي.
المحضر يزداد اختصارًا
بدأ التغيير ببيان السياسة النقدية، الذي تقلص من نحو 310 كلمات إلى ما يقارب 130 كلمة، مع حذف التوجيهات المستقبلية وأي إشارات توحي بميل نحو تيسير السياسة النقدية. ويؤكد محضر الاجتماع أن اللجنة أيدت هذا التوجه؛ إذ رأى معظم المشاركين أن البيان المختصر يوفر مزايا واضحة، واعتبر عدد منهم أن الوقت مناسب لإعادة النظر في صيغة البيان بالكامل. وهذا يشير إلى أن التغيير يعكس توجهًا مؤسسيًا يحظى بتأييد واسع داخل اللجنة، وليس مجرد رؤية يتبناها رئيس الاحتياطي الفيدرالي الجديد.
وجاء محضر الاجتماع نفسه أكثر اختصارًا من المعتاد، في حين لم تحظَ فرق العمل الخمس التي أعلن كيفن وورش عن تشكيلها، والمعنية بالتواصل، والميزانية العمومية، ومصادر البيانات، والإنتاجية، وإطار استهداف التضخم، إلا بإشارة مقتضبة للغاية في سجل المناقشات. ويُضاف إلى ذلك المقترح المتداول بعقد مؤتمرات صحفية فقط عندما يكون لدى الاحتياطي الفيدرالي ما يستدعي الإعلان عنه، وهو ما يعكس تضييقًا متزامنًا لجميع قنوات التواصل مع الأسواق.
ومنذ أول مؤتمر صحفي له، لم يظهر وورش علنًا سوى مرة واحدة، خلال منتدى سينترا، حيث أكد أن الاحتياطي الفيدرالي الذي يقوده لن يقبل باستمرار التضخم فوق المستوى المستهدف البالغ 2%. وفي الوقت الراهن، تبدو هذه الرسالة المقتضبة الصادرة من ذلك المنبر وكأنها تختصر بالكامل آلية استجابة الاحتياطي الفيدرالي للبيانات الاقتصادية.
محضر يعكس عالمًا لم يعد موجودًا
يكشف التدقيق في محضر اجتماع يونيو أنه استند إلى افتراضين لم يعودا قائمين بحلول وقت نشره. فقد سبق تقييمه لسوق العمل صدور تقرير الوظائف غير الزراعية، الذي أظهر إضافة 57 ألف وظيفة فقط، إلى جانب المراجعات السلبية للبيانات السابقة وتراجع معدل المشاركة في القوى العاملة. كما استندت توقعاته لمسار التضخم إلى فرضية استمرار انخفاض أسعار الوقود وتراجع اضطرابات الإمدادات الناجمة عن إغلاق مضيق هرمز، إلا أن هذا المشهد تبدل قبل مرور يوم واحد على صدور المحضر.
ورغم ذلك، لا يزال المحضر يتضمن رسائل لم تستوعبها الأسواق بالكامل. فقد رفع فريق الخبراء توقعاته للتضخم في عامي 2026 و2027، فيما أشار المشاركون إلى أن الحرب والرسوم الجمركية والاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تمثل عوامل قد تُبقي الضغوط التضخمية قائمة، بما يوحي بأن التضخم قد يستمر حتى بعد انحسار علاوة المخاطر الجيوسياسية. وهذا يعكس انتقال آثار ارتفاع تكاليف الطاقة والمواد الأولية تدريجيًا إلى أسعار الغذاء وغيرها من السلع عبر سلاسل الإنتاج، في وقت لم يتعافَ فيه الاقتصاد بالكامل من آثار الصدمة السابقة.
ويستحق أثر الذكاء الاصطناعي اهتمامًا خاصًا، لأنه قد يحسم أي السيناريوهين سيتحقق. فبينما يرى أعضاء اللجنة أن التوسع في استثمارات الذكاء الاصطناعي سيواصل تغذية الضغوط التضخمية، خصوصًا في قطاع التكنولوجيا وأسعار الكهرباء، يتبنى كيفن وورش موقفًا مختلفًا، إذ يرى أن الذكاء الاصطناعي سيرفع الإنتاجية بما يؤدي في نهاية المطاف إلى كبح التضخم. وإذا كان رئيس الاحتياطي الفيدرالي يقلل من أهمية العامل المحلي الذي تعتبره لجنته مصدرًا حاليًا للتضخم، فإن ذلك يرفع، بصورة غير مباشرة، سقف الأدلة المطلوبة لتبرير أي رفع جديد لأسعار الفائدة، بغض النظر عما يشير إليه مخطط النقاط.
ساعة الصبر
ويظل العامل الأبرز في المشهد هو الرجل الذي عيّن وورش. اختار ترامب وورش صراحةً لتنفيذ لقيادة الاحتياطي الفيدرالي نحو خفض أسعار الفائدة، وقد وصف ترامب قرار تثبيت الفائدة في أول اجتماع لوورش بأنه مقبول، لكنه عاد ليعزز بنفسه رهانات رفع الفائدة في ديسمبر بعدما أعلن انتهاء وقف إطلاق النار، وهو تصعيد ينعكس مباشرة على توقعات التضخم وتكاليف الاقتراض في الولايات المتحدة. وهكذا، لم يُختبر صبر ترامب بعد في ظل علاوة مخاطر جيوسياسية ساهمت سياساته في إعادة إشعالها.
كل بيان اقتصادي يُعاد تسعيره مرتين
ويتحول الاهتمام الآن إلى بيانات الثلاثاء، إذ يصدر مؤشر أسعار المستهلكين (CPI) لشهر يونيو في 14 يوليو عند الساعة 12:30 بتوقيت غرينتش، ويغطي فترة شهدت تراجعًا في أسعار الوقود خلال هدنة الصراع، ما يجعل تسجيل قراءة منخفضة للتضخم أمرًا متوقعًا إلى حد كبير. لكن الأسواق ستجد نفسها أمام سؤال مختلف: ما مدى أهمية قراءة تعكس الماضي، في وقت ارتفعت فيه أسعار النفط بنحو 10% خلال أسبوع واحد. ويصدر بعد ذلك مؤشر أسعار المنتجين (PPI) في 15 يوليو، ثم بيانات مبيعات التجزئة في 16 يوليو، قبل أن تعقد اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة (FOMC) اجتماعها يومي 28 و29 يوليو، من دون إصدار ملخص التوقعات الاقتصادية (SEP)، ومن دون ضمان عقد مؤتمر صحفي، في ظل تفضيل وورش الظهور الإعلامي فقط عندما يرى أن هناك ما يستحق قوله.
وفي ظل هذه البيئة، لم يعد التركيز ينصب على ما إذا كانت الأسواق ستسعر رفعًا للفائدة في ديسمبر من عدمه، بل على مدى اتساع نطاق التقلبات في تلك التوقعات. فقد تبدلت قناعة الأسواق النهائية مرتين خلال ثلاثة أسابيع؛ الأولى بعد صدور تقرير الوظائف، والثانية عقب الهجوم على ناقلات النفط، وبالتالي، فإن أي إجماع على تثبيت الفائدة حتى ديسمبر قد يتغير مجددًا بفعل قراءة قوية لتوقعات التضخم أو استمرار إغلاق مضيق هرمز لأسبوع إضافي.
وفي غياب التوجيهات المستقبلية، لم تعد الأسواق تتفاعل مع البيانات الاقتصادية مرة واحدة، بل مرتين؛ الأولى عند صدور البيانات، والثانية عند إعادة تقييمها في ضوء التطورات الجارية في الأسواق. لذلك، فإن صدور قراءة ضعيفة للتضخم في يونيو بالتزامن مع تداول النفط قرب 80 دولارًا قد يدفع المستثمرين إلى التشكيك في استدامة هذا الانخفاض، بدلًا من اعتباره بداية اتجاه جديد.
وقد صمم وورش هذا النظام؛ بحيث تستند الأسواق إلى البيانات بدلًا من انتظار إشارات الاحتياطي الفيدرالي، وعلى مدى الجلسات الخمس الماضية، والتزمت الأسواق بهذا النهج، لكن العامل الحاسم لم يكن بيانات الاقتصاد، بل تطورات الحرب. وهكذا، وضعت اللجنة أمام الأسواق مسارين محتملين، وتركت لها مهمة اختيار أيهما سيتحقق، فيما يبدو أن الأسواق تحاول تسعير الاحتمالين معًا في الوقت نفسه.
تحتوي المعلومات الواردة في هذه الصفحات على بيانات تطلعية تنطوي على مخاطر وشكوك. الأسواق والأدوات الواردة في هذه الصفحة هي لأغراض إعلامية فقط ولا ينبغي بأي حال من الأحوال أن تظهر كتوصية لشراء أو بيع هذه الأصول. يجب عليك إجراء البحث الشامل الخاص بك قبل اتخاذ أي قرارات استثمارية. لا تضمن FXStreet بأي شكل من الأشكال خلو هذه المعلومات من الأخطاء أو الأخطاء أو البيانات الخاطئة المادية. كما أنه لا يضمن أن تكون هذه المعلومات ذات طبيعة مناسبة. ينطوي الاستثمار في الأسواق المفتوحة على قدر كبير من المخاطر ، بما في ذلك خسارة كل أو جزء من استثمارك ، فضلاً عن الضيق العاطفي. تقع على عاتقك مسؤولية جميع المخاطر والخسائر والتكاليف المرتبطة بالاستثمار ، بما في ذلك الخسارة الكاملة لرأس المال. الآراء والآراء المعبر عنها في هذا المقال هي آراء المؤلفين ولا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية أو موقف FXStreet ولا معلنيها.